أحمد بن طولون.. صانع مجد مصر ومؤسس أول دولة مستقلة في تاريخها الإسلامي
أحمد بن طولون أول مؤسس لدولة مستقلة في التاريخ الإسلامى
لم يكن أحمد بن طولون مجرد والٍ على مصر في العصر العباسي، لكنه أصبح واحدًا من أبرز الحكام الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخها، بعدما استطاع أن ينتقل من قائد عسكري إلى مؤسس دولة امتد نفوذها في مصر والشام، وأن يمنح مصر تجربة حكم مستقلة عن الإدارة المركزية للخلافة العباسية، إلى جانب ما شهدته البلاد في عهده من مشروعات عمرانية واقتصادية وصحية مهمة.
نشأة أحمد بن طولون وبداياته العسكرية
وُلد أحمد بن طولون في بغداد عام 835م، الموافق 220هـ، وترجع أصول أسرته إلى الأتراك الذين كانوا يقيمون في بخارى، وكان والده طولون قد أُرسل إلى الخليفة المأمون ضمن المماليك الأتراك، ثم تولى عددًا من المناصب المهمة، حتى أصبح رئيسًا للحرس وحظي بمكانة لدى الخليفة.
نشأ أحمد بن طولون في بيئة عسكرية، لكنه اهتم أيضًا بالعلم والدين، وحفظ القرآن وتفقه في الدين، وعُرف منذ صغره بالرزانة والتدين. وفي شبابه انتقل إلى ثغر طرسوس، حيث قضى سنوات بعيدًا عن أجواء بغداد، وتلقى العلم والحديث والآداب، كما شارك في الحياة العسكرية وتعرف عن قرب على أهمية الشام وموقعها العسكري.
من بغداد إلى مصر.. رحلة الصعود السياسي
بعد وفاة والده عام 854م، وكان أحمد بن طولون في العشرين من عمره، أسند إليه الخليفة العباسي المتوكل بعض الأعمال العسكرية التي كانت لوالده، وسرعان ما توسع نفوذه، فأصبح له دور في إمرة الثغور ودمشق والديار المصرية.
وكان من المواقف التي عززت مكانته لدى الأتراك والخلافة موقفه من الخليفة المستعين، حيث رفض قتل الخليفة رغم الضغوط التي تعرض لها، وتمسك بما قطعه من بيعة وأيمان، وهو موقف زاد من احترامه بين عدد من القادة والأوساط السياسية في ذلك الوقت.
وفي عام 868م وصل أحمد بن طولون إلى مصر نائبًا عن بايكباك التركي، الذي كان قد أُقطع أعمال مصر، ودخل الفسطاط في 15 سبتمبر 868م. وكانت الأوضاع في مصر وقتها تقوم على توزيع السلطة بين أكثر من مسؤول، وهو ما وضع ابن طولون أمام منافسة سياسية قوية، خاصة مع أحمد بن محمد بن المدبر، المسؤول عن الخراج.
ومع مرور الوقت، بدأ أحمد بن طولون في توسيع نفوذه داخل مصر، واستطاع التخلص من القيود التي كانت تفرضها عليه مراكز القوى المختلفة، خاصة بعد مقتل بايكباك عام 870م وتولي يارجوخ التركي، الذي كان ختنًا لابن طولون، حيث أصبح نفوذ أحمد بن طولون أكثر اتساعًا.
وفي عام 873م توفي يارجوخ، فأقر الخليفة المعتمد أحمد بن طولون واليًا على مصر مباشرة، وتعد هذه السنة بداية تأسيس الإمارة الطولونية. ثم جاءت مرحلة أكثر أهمية عام 877م، عندما قلده الخليفة خراج مصر وولاه إمرة الثغور الشامية، فأصبح صاحب الإشراف على الجوانب العسكرية والإدارية والقضائية والمالية في مصر، وضُرب الدينار الأحمدي، الذي ارتبط باستقلاله السياسي.
وبذلك ظهرت الدولة الطولونية كإحدى الدول المستقلة عن الخلافة العباسية، وتذكر الصفحة أن الدولة الطولونية مثلت أول تجربة حكم محلي تحكم فيها أسرة بصورة مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد.
القطائع وجامع ابن طولون.. آثار خلدت اسمه في مصر
اهتم أحمد بن طولون بالعمران إلى جانب اهتمامه بالسياسة والجيش، ورأى أن الفسطاط والعسكر لم تعودا تتسعان له ولجنوده، فقرر إنشاء عاصمة جديدة حملت اسم «القطائع»، واختار لها موقعًا بين جبل يشكر وسفح جبل المقطم.

وقُسمت المدينة إلى أحياء، عُرفت كل منطقة منها باسم «قطيعة»، حيث خصصت مناطق لقادة الجيش، وأخرى للتجار وأرباب الصناعات والحرف. وأنشأ ابن طولون في المدينة قصره ودار الإمارة والجامع، إلى جانب البيوت والمستشفيات، وأصبحت القطائع مركزًا لحكم الدولة الطولونية.
ومن أبرز آثار هذه المرحلة جامع أحمد بن طولون، الذي شُيد بين عامي 263 و265هـ، ويعد من أشهر الجوامع الباقية في مصر، كما يتميز بتخطيطه المعماري ومئذنته ذات الشكل الفريد.
وتذكر المصادر الواردة في الصفحة أن المسجد أُقيم على مساحة كبيرة، وأن ابن طولون أنفق عليه نحو 120 ألف دينار، كما ارتبط بنائه بالمهندس سعيد بن كاتب الفرغاني، الذي كان مسيحيًا، في إشارة إلى مشاركة أصحاب الخبرات المختلفة في مشروعات الدولة العمرانية.
ولم يتوقف اهتمام ابن طولون بالعمران عند العاصمة والمسجد، إذ أنشأ قصرًا ضخمًا في موقع ميدان القلعة الحالي، كما شيد مسجد التنور على جبل يشكر، وأقام قناطر للمياه في جنوب شرق القطائع.
الزراعة والصناعة والصحة.. نهضة شملت جوانب الحياة
شهدت مصر في عهد أحمد بن طولون اهتمامًا واضحًا بالزراعة والري، حيث عمل على تطهير مجرى النيل، وشق الترع، وإقامة الجسور وإصلاح السدود والقنوات، كما اهتم بحماية الفلاحين من تعسف جباة الضرائب، وربط الخراج بمقدار المحصول.
كما اهتم بتوفير البذور والآلات الزراعية للفلاحين على أن تُسترد قيمتها بعد الحصاد وبيع المحصول، وأصلح مقياس النيل بالروضة، وهو المقياس الذي كان يستخدم لمتابعة ارتفاع مياه النيل، ولا يزال موقعه معروفًا حتى اليوم.
وازدهرت الصناعة في عهده، خاصة صناعة النسيج والكتان، وانتشرت صناعة الكتان في عدد من مدن الوجهين البحري والقبلي، كما اشتهرت مصر بالمنسوجات الصوفية والمنسوجات المطرزة بالذهب، خاصة في الإسكندرية.
وفي المجال الصحي، أنشأ أحمد بن طولون البيمارستان الطولوني عام 872م في مدينة القطائع، وكان يقدم العلاج مجانًا للمرضى دون تمييز بين الطبقات والأديان، وألحق به صيدلية لصرف الأدوية.
وكان المريض يحصل على الرعاية والإقامة والملابس، وتظل أمواله محفوظة لدى أمين المستشفى حتى يتماثل للشفاء، كما كان أحمد بن طولون يتفقد البيمارستان ويتابع أحوال المرضى والأطباء، وتذكر الصفحة أنه أنفق عليه نحو 60 ألف دينار.
ثورات وصراعات.. ابن طولون في مواجهة خصومه
لم يخلُ عهد أحمد بن طولون من الصراعات والثورات، حيث واجه عددًا من الحركات المعارضة في مصر والمناطق التابعة لنفوذه.
ومن أبرز هذه التحركات ثورات بعض العلويين، ومنها ثورة بغا الأصغر، وثورة ابن الصوفي العلوي في الصعيد، كما واجه ثورة العمري في منطقة أسوان وشمال النوبة، وثورة أهل برقة الذين طردوا عامل ابن طولون، فأرسل إليهم جيشًا تمكن من السيطرة على المدينة وإنهاء الثورة.
كما واجه ابن طولون تمردًا داخل أسرته، عندما أعلن ابنه العباس العصيان عليه أثناء وجوده في بلاد الشام، واتجه إلى برقة، لكن أحمد بن طولون عاد إلى مصر وتمكن من القبض عليه، ووضعه في السجن حتى توفي في عهد أخيه خمارويه.
وعلى المستوى الخارجي، ارتبطت علاقة الدولة الطولونية بالخلافة العباسية بالتوتر والصراع السياسي، رغم استمرار أحمد بن طولون في الاعتراف بالخليفة العباسي والدعاء له على المنابر.
كما دخل في خلاف طويل مع أبي أحمد طلحة المعروف بالموفق، الذي كان صاحب النفوذ الأقوى داخل الخلافة العباسية، ووصل الصراع بين الطرفين إلى مرحلة من التوتر السياسي، قبل أن تبدأ محاولات لتحسين العلاقات بينهما، لكن وفاة ابن طولون حالت دون الوصول إلى تسوية نهائية.
أما علاقته بالبيزنطيين، فارتبطت بالصراع على المناطق الحدودية والثغور، خاصة أنه كان قد عرف هذه الجبهة منذ سنوات شبابه عندما أقام في طرسوس، وشهدت تلك الفترة مواجهات بين المسلمين والبيزنطيين على الحدود.
مواقف إنسانية وحكمة في التعامل مع أبنائه
إلى جانب شخصيته السياسية والعسكرية، تروي المصادر عددًا من المواقف التي ارتبطت بأحمد بن طولون، ومن بينها قصته مع الصياد الفقير، عندما رأى رجلًا شديد الفقر ومعه ابنه، فأمر بمنحه عشرين دينارًا، لكن الصياد توفي بعدما رأى المال معه، إذ لم يعتد مثل هذا المبلغ الكبير.
وعندما رفض ابنه أخذ المال خوفًا من أن يلقى مصير والده، أقر أحمد بن طولون بأن الغنى يحتاج إلى تدريج، وأن المال الكثير قد يكون صعبًا على من لم يعتد عليه.
كما تروي المصادر موقفًا آخر مع ابنه العباس، أراد من خلاله أن يعلمه عدم الانشغال بالأمور الصغيرة على حساب الأمور الكبيرة، مستخدمًا الطعام وسيلة لتوضيح الدرس الذي أراد أن يرسخه في ابنه.
نهاية أحمد بن طولون.. وفاة بعد سنوات من بناء الدولة
استمر أحمد بن طولون في حكم مصر والدولة التي أسسها حتى عام 884م، الموافق 270هـ. وفي أواخر حياته توجه إلى بلاد الشام لمواجهة تمرد في طرطوس، وأثناء عودته إلى أنطاكية أصيب بمرض بعد تناوله لبن الجواميس بكثرة، وحاول الأطباء علاجه، لكنه توفي في 10 مايو 884م.
دُفن أحمد بن طولون في جبل المقطم، وخلفه ابنه خمارويه الذي تولى حكم الدولة الطولونية من بعده، ورغم أن الدولة الطولونية لم تستمر إلى الأبد، فإن الفترة التي أسسها أحمد بن طولون تركت أثرًا واضحًا في تاريخ مصر، سواء من خلال تجربة الحكم المستقل، أو مدينة القطائع، أو جامع أحمد بن طولون، أو البيمارستان، إلى جانب ما شهدته البلاد من نشاط في الزراعة والصناعة والري.
يبقى أحمد بن طولون واحدًا من الشخصيات البارزة في تاريخ مصر الإسلامي، فقد بدأ حياته في بغداد ونشأ في بيئة عسكرية، ثم وصل إلى مصر واليًا باسم الخلافة العباسية، قبل أن يوسع نفوذه ويؤسس الدولة الطولونية ويجعل لمصر كيانًا سياسيًا وإداريًا أكثر استقلالًا.
وترك ابن طولون وراءه آثارًا ومشروعات تجاوزت الجانب السياسي، فامتدت إلى العمران والاقتصاد والزراعة والصناعة والصحة، ولا يزال جامع أحمد بن طولون شاهدًا على تلك المرحلة، ليظل اسمه مرتبطًا بواحدة من أبرز التجارب السياسية والعمرانية في تاريخ مصر الإسلامي.



